لا تحتاج أن تعيش في مدينة كبيرة كي تشعر بالإنهاك. فالصوت الذي يرهق الروح اليوم ليس فقط ضجيج السيارات أو البناء أو الازدحام، بل الضجيج الذهني المستمر الناتج عن الخيارات والقرارات والمقارنات والمخاوف والتوقعات. الشاشات تملأ الحواس. الآراء تملأ العقل. قوائم المهام تملأ اليوم. شيئًا فشيئًا، يصبح عالمك الداخلي مزدحما بقدر ازدحام العالم الخارجي.
وسط كل ذلك يشعر كثير من الناس بشوق هادئ لا يستطيعون تسميته تماما. ليس رغبة في النجاح أو الترفيه أو حتى الراحة. بل رغبة في السكون الداخلي. رغبة في مكان داخلي لا تهزه عناوين الأخبار، ولا آراء الآخرين، ولا الأزمات الصغيرة. مكان من الثبات الروحي، سواء عبّرت عنه بالدين أو بالتأمل أو بعلاقة شخصية عميقة مع الله.
الجوع الذي يختبئ خلف الإنجاز
من الخارج تبدو كثير من الحيوات ممتلئة. شهادات، وظائف، سفر، دوائر اجتماعية، عائلة، مشاريع. ولكن حين تتحدث بصدق مع أصحابها، يظهر مشهد آخر. إحساس بالجفاف الروحي. لحظات النجاح تتبعها فراغات لا يملؤها أي إنجاز جديد. فالقلب يشعر أنه خُلق لشيء أعمق بكثير من سلسلة مهام لا تنتهي.
هذا الجوع ليس خللا. إنه إشارة روحية. فالإنسان لم يُخلق ليكون عاملا أو مستهلكا فقط. بل خُلق بقدرة على الدهشة والامتنان والخضوع والرهبة والشعور بالصلة مع ما هو أكبر منه. وعندما تُهمَل هذه القدرة طويلا، تبدأ الحياة في فقدان معناها وتتحول إلى مشاهد بلا قصة.
الإلهاء كشكل حديث من الهروب
في الأجيال السابقة كان الناس يهربون من مشاعرهم عبر عادات جسدية. واليوم أصبح أحد أكثر أشكال الهروب شيوعا هو الإلهاء الرقمي. كلما ظهرت مشاعر صعبة، تمتد اليد إلى الهاتف. ملل، افتح التطبيق. قلق، افتح التطبيق. حزن، افتح التطبيق. سؤال عن حياتك، افتح التطبيق.
مع الوقت يتعلم الإنسان تجنب نفسه. وكلما حاولت مشاعر عميقة أو أسئلة مهمة الصعود، غطّتها طبقة من الترفيه. ولكن النمو الروحي يحدث في الاتجاه المعاكس. يبدأ حين تتوقف عن الهرب من قلبك. حين تسمح للأسئلة والشكوك والشوق والرجاء والشعور بالذنب والرغبة في التقرب من الله أو من المعنى أو من كليهما أن ترتفع بدلا من أن تُدفن.
السكون ليس فراغا
يخاف كثير من الناس السكون لأنهم يخلطون بينه وبين الفراغ. يتخيلون أن الهدوء الروحي حالة فارغة أو سلبية. ولكن الحقيقة أن السكون الداخلي غالبا ما يكون تجربة نابضة بالحياة. قد يكون لحظة دعاء صادق تتخلى فيها النفس عن دفاعاتها. أو دقائق من الصمت تشعر فيها أنك صادق مع ذاتك بعمق للمرة الأولى منذ أسابيع. أو نفسا عميقا يصل إلى أماكن فيك لم تلمسها الكلمات.
السكون لا يعني أن يتوقف العقل عن التفكير. بل يعني أن يتحرر من حمل كل شيء دفعة واحدة. هو التوقف بين رد فعل وآخر، حيث يصبح الخيار المختلف ممكنا. هو المساحة التي تسمح لك أن تشعر بما هو مهم، أن تعرف ما يجب أن تتركه، وأن تدرك أين يدعوك الله أو المعنى أو الحدس إلى النمو.
دور الممارسات الروحية
لطالما قدمت التقاليد الروحية، سواء كانت إسلامية أو غيرها، طرقا عملية للعودة إلى السكون. الصلاة، الذكر، التأمل، الصيام، الخلوة، الخدمة، التلاوة، وغيرها من الممارسات ليست عبادات فحسب، بل لها وظيفة نفسية أيضا. فهي تقطع تيار الحياة السريع وتصنع جزرًا من الحضور تعود فيها إلى نفسك وإلى خالقك.
حين تُعامل هذه الممارسات كواجبات فقط، تفقد حلاوتها الداخلية. ولكن حين تُقترب منها كفرص للتنفس وإعادة الاتصال والتوازن، تصبح مرساة في عالم مضطرب. تذكّرك بأنك لست إنتاجيتك، ولست صورتك، ولست قلقك بشأن المستقبل.
شجاعة الهدوء في عالم صاخب
قد يبدو الصمت مقلقا في البداية. فالضجيج يحميك من الحقائق المزعجة. السكون يكشف أسئلة يصعب مواجهتها. هل أعيش بالطريقة التي أؤمن بها حقا. هل أهملت روحي طويلا. ماذا أبحث عنه حقا ولماذا. هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها الباب إلى حياة أكثر صدقا.
يتطلب الأمر شجاعة لإطفاء الضوضاء، ولو لوقت قصير، والاستماع. شجاعة للاعتراف أين انحرفت. وأين تألمت. وأين أصبحت حياتك الروحية آلية بلا روح. ومع ذلك، ففي هذه اللحظات بالذات يدخل الضوء. يلين القلب. قد تنزل الدموع. وتصبح الطمأنينة أكثر حضورا من الفوضى.
رفقة في الطريق الداخلي
لا يستطيع أحد أن يسير طريقك الروحي بدلا منك، ولكن ليس عليك أن تسيره وحيدا. ترك الناس على مر التاريخ وراءهم تأملات وصلوات وقصص صراعاتهم الروحية واستيقاظهم الداخلي. قراءتها يشبه لقاء شخص عبر الزمن يهمس لك لقد صادفت الشك والخدر والشوق أيضا، ووجدت شيئا في الجهة الأخرى.
ودُرَر جزء من هذا النوع من الرفقة، لكن بأسلوب يناسب العصر الحديث. فملخصات الكتب التي تتناول السكينة والوعي والرحمة والحياة الروحية لا تُغني عن ممارستك الشخصية، لكنها تثريها. تفتح لك نوافذ للتأمل. تمنحك كلمات لمشاعر لم تستطع وصفها. تذكرك، في يوم عادي، أن ترفع نظرتك قليلا وتراها في إطار أوسع وأكثر قداسة.
السكون كاختيار يومي
بحث الروح عن السكون ليس أمرا يُحلّ مرة واحدة. إنه اختيار يومي في لحظات صغيرة. تختار التوقف قبل الرد. تختار دعاء قصيرا بدلا من تمرير الشاشة. تختار صفحة واحدة من قراءة واعية بدلا من عشر دقائق من الضوضاء. تختار أن تكون حاضرا بالكامل مع من تحب، بدلا من نصف حضور ونصف شرود.
هذه الاختيارات لن تجعل العالم أقل ضجيجا. لكنها ستجعل عالمك الداخلي أقل هشاشة. ستمنحك مركز ثقل داخلي يصعب زعزعته بكل تغير. وتذكرك بأنه، وراء كل الأدوار والمهام، أنت روح في رحلة. وهذه الرحلة لا تُقاس فقط بما تحققه، بل بمدى عمقك في العيش والحب والاتصال.
دُرَر لا يدعي أنه الوجهة النهائية. لكنه قد يكون المصباح الذي تحمله في الطريق. مجموعة من الأصوات والأفكار واللمسات اللطيفة التي تساعدك على العودة إلى نفسك وإلى ما هو مقدس في داخلك، لحظة تأمل واحدة في كل مرة.